(رساله من النافذه )
أين ذهبت ؟؟ أخذ بصري يجول من حولي باحثاً عنها في كل مكان ، فقد كنت أفقدها منذ أيام في ذلك الحلم الغريب الذي كان يراودني ، ولكني كنت أجدها فورا بعد إستيقاظي ، فإين ذهبت اليوم ؟؟
توجهت ناحيه النافذه لأبحث هناك عن أي شئ يثبت دخول أحد غرفتي ليسرقها حتى أُبعد عن نفسي هم ضياعها ، ولكني لم أجد سوى تلك الحمامه الزاجله التي وجدتها بالأمس على حافه النافذه عندما حل الظلام وبعد ما توقفت السماء عن التخلص من همومها ، فتوجهت إليها بالسؤال لعلها تعرف أين ضاعت مني ، أو لعلها رأت من دخل ليسرقها ، ولكنها أشاحت عني بوجهها وكأنها تحتقر سؤالي ، تعجبت من فعلتها هذه ، فقمت وفتحت لها النافذه وسمحت لها بالدخول ، فتهادت وتمايلت على حافه النافذه كالملائكه على طبقات السماء ، ثم ألقيت بنفسي على السرير لأطرح عليها السؤال مره أخرى ، فأجابتني بصوت حان يغلفه الحزن : سؤالك هذا ياولدي يزيد الحزن في نفسي عليكم ، ويطبع على عيني ذلك الأحمرار الذي تراه ، والذي لم يظهر في عيني إلا بعدما رأيته منكم ، فلأنت مثلي حُملت برساله ولكنك لم تعتني بها ، فرسالتي مثلا كانت حمل رسائلكم وتوصيلها بعد العنايه بها ، ولكن رسالتك كانت الأعتناء برساله واحده فقط ولم يكن الهدف توصيلها ، ففقدتها .
- وكيف لك أن تحيي بدون نورها أم كيف لك أن تعيش دون معرفه السبب من امتلاكها ؟ أتريد أن يخبرك أحد عنها ؟ كيف يكون ذلك وأنت تحيى داخل حروفها بل أنت حرف من حروفها ، ولكن النص يسري من دونك ، فإن لم تجدها فستقضي بقيه حياتك حبرا دون معنى ، ولتدعني أرحل الآن فلدي رساله وجب علي توصيلها ، وداعا .
تركتني لتعود للتهادى على حافه النافذه حتى إذا ما وصلت إلى نهايتها إلتفتت إلي قائله : سأعود إليك لأراك تفعل مثلي ، ثم قفزت محلقه وأنا أحاو ل أن أفهم ما تعنيه حتى غابت عن بصري .
- تستحق هذا .
إلتفت حولي لأبحث عن مصدر ذلك الصوت الطفولي المشوب بالبكاء .
- ألم تتعرف عن سبب بكائي بعد ، ألم تقدر مقدار الحمل الذي أحمله .
نظرت إليه في الصوره المعلقه أمام سريري قائلا :
- ولكني بكيت مثلك في طفولتي لثقل تلك الرساله ولم يغن ذلك عني شيئا .
_ هذا من ضعفك ، أما أنا فأنوي أن أختزن حروفها في عقلي حتى أسترجعها إذا حدث حادث وفقدت مني .
_ ويل لذلك الإنسان الذي لا يتعلم ، الواقف في كهف خلف شلال تنهال عليه أمواج الماضي فلا يهمه منها سوى النظر إلى وجهه في صفحه المياه المنهمر0ه ...، ألم تستفد بعد يا صغيري مما أتعرض إليه الآن .
- لا إنما هذا بسبب ضعفك أنت .
_ مازال الإنسان سائر غير منتهبا للعلامات الملقاه على جاني الطريق ، بصره حديد لا يشعر بمصائب الأيام ولا يهمه سوى السير دون معرفه أي السبل سيسلك فقد وطن نفسه على طريق واحد فلم يرى سواه .
- أرجو أن تتركني الآن حتى لا تفسد علي أحلامي بما ضاع من بين يديك .
ثم استكمل بكائه ...
_ إلتفت فوجدت شخصا أمامي تصدر عنه نفس حركاتي ، فتيقنت من إنه هو من استولى على رسالتي ، توجهت إليه لأجده وقد اقترب مني :
- أين رسالتي ؟
- رسالتك !!! أتبحث عن رسالتك ؟؟؟ ألم تراها أمامك ؟؟
- أمامي ... أين ؟؟؟؟ لا أرى أمامي سواك ؟
- نعم .. فأنا هو الرساله ، ألم تنتبه لذلك من قبل ؟؟ ألم تعلم بأنني كل ماحولك أنا أحتوي على كل حروف الرساله ، فبدوني ليس هناك رساله .
- أنت .. ولكن ما الذي يجعلني أسئل عنها إذن .
- سؤالك هذا هو العلامه على عثورك عليها .
- زدتني من التبرير حتى جعلت نفسي لا تعرف معنى التغير .
- أي تغيير هذا الذي تعني ... ألم تتعرف علي ؟
- كنت أعرفك من قبل والرساله معي ، أما الآن فأنا لا أدري من أنت .
- أنت لم تفقدها ... صدقني ، لقد كنت أراقبك منذ أن كنت صغيرا وعلمت عنك دوام تذكرها .
- فما الذي جعلني إذن أفرط فيها ؟؟ أرجوك ، فلتتركني الآن فأنت تذكرني بأخطاء الماضي ، فما أنا فيه إلا بسببك .
أعطيت ظهري للمرآه لإستمع إلى صوت تساقط الأمطار من جديد ، فتوجهت ناحيه النافذه ووجهت نظري إلى السماء :
- يا من أعطيتني من كل شئ حتى نسيت أهم شئ .. يا من خلقتني من أجل شئ فتركته وأخذت كل شئ
، أعدني إلى عهد الطفوله لعلني أجد فيها نفسي مجددا .... يا الـــــــله لا أستطيع العيش بعد الفقد ... يالله .. أجبني إلهي فمن للتائه الضائع سواك ، أنا ءات إليك عساني أجد عندك رسالتي .
قذفت بنفسي من النافذه وأنا ناظر إلى السماء ، فتساقطت دموعي وأنا في الهواء وقد أحسست بكل حمولي تنمحي من روحي :
- ما تلك الراحه التي تراودني الآن ، أكان من الواجب علي أن أفعل ذلك منذ زمن ... ياالله ، أهذا مستقبلي وقد بدا واضحا لي الآن ، ما هذا الجمال ، أهذا أنا هناك واقف بجوارهم لأعاونهم على تحمل خطى الزمان .
- أفمن يهرب من سجن مهدوم خير أمن يهرب من سجن تحيطه أشواك وغيوم .
- يالله .. أكنت سأجد الرساله إذا هربت من ذلك الجسد وخرجت من بين تلك الأشواك والهموم دون أن ألقي نفسي بين الغيوم ؟؟...... ياليتني أنتظرت قليلا لأتعرف على تلك الأجابه .
لو خرج عقلك من سلطان هواك عادت الدولة له.
ابن قيم الجوزية
يبدأ الإنسان في الحياة عندما يستطيع الحياة خارج نفسه.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق